زمرد منشور


أجمل ما في العمر هو انك ترزق زيارة بيت الله الحرام ولو مرة واحدة، تلك اللحظات عندما ترافقك السعادة وانت ترتدي ثوبك الابيض، وتنظر الى بيت الله وافواج من الناس، مختلفة الوانهم طبائعهم واجناسهم، والأمان الذي تعيشه في هذا المكان المقدس وحرمة سفك الدم ودوران الانسان مع المجموعة يشعرك بتكملة الصف البشري فكل منا يكمل الاخر، فكل شيء هنا يعيش بسلام وأمان، (فمن دخل البيت كان آمنا) الحجر البشر الحيوان، بعيدا عن معركة الحياة التي لا تخلو من الحرب والقتال، لمكة حكاية اخرى من الجمال والعبادة، فتبدأ اوراق العمر تزهر.

لكن سرعان ما ينتهي موسم الحج وتبدأ القوافل في تجهيز الى الرحيل،  بين الشوق والحنين الى ارض الوطن وغصة الرحيل عن اجواء مكة  واركانها، هناك تجلس وحيدا تراقب تفاصيل الحجيج وكيف انتهى بهم المطاف سيرحلون الى ديارهم مبتهجين بعودتهم سالمين، وبين مراسيم الاستقبال ونشر السرور في اجواء لا تخلو من الفرح، استوقفني مشهد عجيب اشعرني بشيء من الوجع والحزن، ما رأيته هو رجل كبير السن كان يلثم الجدار بخفية وحتى لا يراه احد كان يختبئ خلف الحجيج ويقبل يده تلك التي كانت تلامس الحجر الاسود، لم امتلك نفسي، انتظر الرجل المحدب الظهر متى يخرج من الطواف واتحدث معه.

طال انتظاري خرج مبتسما وهو يرتب لباس الحج، على طرف وجنته المتجعدة دمعة تكاد ان تسقط  لكن الابتسامة تمنعها ويرفع رأسه شاكرا لله ويرتل كلماته لا يسمعها غير رب البيت.

اقتربت منه وقرأت عليه السلام، مسك يدي ممتنا لسلامي عليه، عرفت من لهجته العربية انه رجل عربي أصيل  يعود اصله الى بلاد الخير اليمن، قطعتني دموع عينه، واخذ يبكي عندما عرف اني من العراق، واخذ يردد السلام على ساكن النجف (يا علي) كيف حالك يا اخ، وتقبل الله حجتك، شكرته كثيرا وسألته على حال اليمن اليوم وما هي اوضاعه  السياسية والاقتصادية.

بنبرة حزينة قال: آه يا اخ اليمن مات فيها الخير وسال دم اولادها، وقف العرب ينظرون الينا.

ــ ونحن ايضا كل يوم يسيل الدم في بغداد والمحافظات من دون هوية وان كان الاكثر هم من الشيعة يا عم.

ــ  كيف حال النجف؟  تعلم يا حاج لم اتوفق لزيارة العراق والنجف ادعو الله كثيرا ان ازور النجف ولو مرة واحدة.

ــ  ارى في عيناك شوق كبير للنجف يا عم ما سر هذا  الشوق؟

ـ يا حاج انا من عائلة فقيرة جدا ومنذ سنوات وانا اعمل حتى اتمكن من زيارة العراق، ولكبر سني لم اجمع المبلغ الى الان.

ــ ولكنك يا حاج انت تمكنت من زيارة بيت الله الحرام ورغم المصاريف الكبيرة.

ـ يا حاج ان وجودي هنا كان لحج النيابة عن والدي الذي مات وهو محزون لعدم تمكنه من اداء الحج وقتها نذرت ان قسم اخوتي الورث واذهب الى الحج والحمد الله تمت النيابة عن ابي وقد زرت قبر رسول الله (صلى الله عليه واله وسلم)، وما اتمناه هو ان ازور قبر ابن عمه الامام علي (عليه السلام).

ــ ان شاء الله تزور مرقد الامام علي (عليه السلام) في هذا العام.

ـ ضغط على يدي وهو يقول (آمين.. آمين).

ــ سار بخطوة هادئة  الى الامام  وهو يردد مع نفسه، ادار لي وجهه وسألني كيف الغدير عندكم؟.

ــ  الغدير عندنا يجتمع الناس في النجف الاشرف ويذكرون فضل الامام علي (عليه السلام) ومع اهازيج من الفرح.

ــ يا حاج الغدير اهم واقعة تاريخية حصلت في الارض العربية ولكن لا احد يعرف قيمته، واه اسفي على امة لم تعرف حق بيعة امامها.

ـ ماذا تقصد يا عم؟

ـ ما اقصده يا حاج اننا نمضي وقتنا في تنظيم المناسبات التي تخصنا بأحسن تنظيم وندفع الاموال حتى تظهر بصورة أنيقة وفي الاعياد لا تنظر الى الاستعدادات المادية والمعنوية، وعيد الله الاكبر يمر ونحن في ابسط حالنا حتى البعض ينسى ان يقول عيدكم مبارك، لماذا يا حاج  اين حق العيد.

ــ ما تقوله يا عم قد لا يناسب الجميع والبعض يعمل ما يقدر عليه!.

ـ يا حاج لا احد قدم  الى الغدير كما قدم السلف الماضي، لا تعرف الشيخ الأميني، والمراجع الكبار كانوا يفتخرون بهذا اليوم وينتظرون قدومه، حتى ان البعض يصرف العيدية ليعرف الاولاد بحق هذا اليوم.

 ــ يا عم اليوم تغير كل شيء، لكن الله سبحانه وتعالى جعل للأمام علي ذكر في الارض لا ينسى وجعله مقرونا بالعبادة (ذكر علي عبادة).

ــ نعم يا حاج ذكر علي عبادة فكيف اذا كان العمل للأحياء ذكر علي ماذا ستكون جائزته، عندما تعود الى دياركم اجعل هذا العيد مميزا بشيء وان كان بسيطا تبرع ما تستطيع واجعله هدية عيد الغدير، زر اقربائك و احمل معه باقة من الورد وقل لهم عيد الغدير مبارك لكم، سامح من كان بينك وبينه عداوة واخبره انك سامحته من اجل هذا العيد وحتى تكون خاليا من الشوائب الداخلية، وغيرها يا حاج.. اصنعوا من العيد فرحة لا تنسى، اذكروا علي كثيرا فإنه كنز الأمة وزمردها.

لاح بيده وهو يقول امانة اذكرني عند علي (عليه السلام) الان سأذهب الى قافلتي، تأخرت عليهم كثيرا، ولا تنسانا من الدعاء والزيارة وسلامي الى البقعة المباركة.

ـ وعليكم السلام ورحمة الله يا عم ان شاء الله ندعوا لك في مرقد الامام علي (عليه السلام) وان شاء الله اعمل بوصاياك، حقا علي زمرد الامة وياقوتها.

ارتفع الاذان ودخلت الصلاة، رحل العم الكبير وترك خلفه الف فكرة ليوم الغدير هذا اليوم الذي هو في السماء العهد المعهود، و في الأرض يوم الميثاق المأخوذ، اقمت الصلاة وودعت الحرم وداع محب وتوجهت نحو ارض الوطن وكلمات العم اليمني ترتل في اذني وقطعت وعدا على نفسي ان انفذ وصيته على حب علي (عليه السلام).       

للاشتراك في قناة بشرى حياة على التلجرام
https://telegram.me/bashra313
التعليقات
تغيير الرمز