امرأة من حديد!

عبارة أطلقها رجل على زوجته استهزاءً بها بعد أن استعمل كل أساليب الضغط والتعنيف والهجر من أجل أن تتنازل عن حقوقها الشرعية للتخلص منها وتكون نهايتها مع قافلة المطلقات التي تعد أكبر قافلة في مجتمعنا المعاصر، إن أغلب من التحقن بها نتاج قهر واسبتداد وعنف وشك، فعلا جلهن ذوات أرواح متمزقة وأجساد عاقرت الكدمات، ولكن هل سمعتِ عزيزتي القارئة عن علاقة المرأة بالحديد، لذا أدعوكِ أن تستمتعي معي في هذه الرحلة العلمية الانسانية المغمسة بالوجع والتحدي.

يعد الحديد أكثر المعادن ثباتاً إذ تصل كثافته إلى 7874 كم3، وهو بذلك يحفظ  توازن الأرض، فثبات الكثافة هو الصفة الأولى التي كانت تتصف بها هذه المرأة المطلقة، فهي عالية الكثافة الأخلاقية والدينية لكن هذا الثبات كان نقمة عليها إذ جعل هذا الزوج غير الكفؤ لها يهتز هيبةً منها كأنها ملكة وقع تحت رحمتها رجل مجرم قاتل للعفة مغتصب للدين.

والصفة الثانية التي يتسم بها الحديد هي الأصالة، فمن المتعارف عليه أن أصل الحديد جاء من مخلفات الشهب والنيازك التي تساقطت من الفضاء الخارجي على كوكب الأرض، إن تلك المرأة التي كانت تنحدر من أشرف وأنبل سلالة، سلالة الأنبياء والوصيين وقعت على أرض هشة لا تصلح لحملها وحمل ثقل رجاحة عقلها وقوة منطقها والكم الهائل من التعاليم التربوية التي استقتها من فضائها التي كانت تعيش فيه.

والصفة الثالثة للحديد هي الطاقة الهائلة، بمعنى أن ذرّة واحدة من معدن الحديد لا تتكون إلا بطاقة هائلة تفوق مجموع الطاقة الشمسية، هي كذلك لم تصبح حديدية إلا بعد أن تحملت فوق طاقتها الكثير، طاقة تفوق تحمل أي بشر من تجارب صعبة وابتلاءات كثيرة طالتها وطالت فضائها جعلت منها عنصراً فلزياً يمتاز بالقوة والصلابة والثبات، وإذ ورد في كتاب الله العزيز لايلين الحديد إلا بين يدي داود، إلا إننا ومن خلال هذه القصة القصيرة من الممكن أن نتخيل حياة الأشخاص الذين يتمتعون بالأصرار والعزيمة حتى أن ضغوطات الحياة بجميع أشكالها جعلت منهم أشخاص مصرين على النجاح عازمين على تحدي الفشل الذي فرض عليهم من أشخاص آخرين لا يحملون أية مبادئ، جعلهم الله وبحكمة لا يعلمها إلا هو يتحكمون في مصائر الآخرين.

لكن الايمان بالله جل وعلا جعلهم يُذّكرون أنفسهم بما وعدهم به ربهم (وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا (22) مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا).

حاشى لله أن يعد عباده بالنصر وأن لا يفي بوعده، فالصبر والاصرار على المسير قدماً هي من صفات الأولياء والصالحين، فكم هو جميل حينما نتحلى بصفاتهم وأن نمتلك تلك القوة الجبارة التي تعيننا على مدلهمات الزمن وغدر الدنيا التي لا أمان لها، فالإنسان الذي يريد أن يحقق أهدافه السامية من غير أن تكون على حساب أحد أو ضد مصلحة من هم قريبين منه لا بد له أن يختار الطريق الوعر وأن يسير به لوحده حاملاً تطلعاته على ظهره  وسواء عليه إن وصل إلى نهاية هذا الطريق أو لم يصل فهو قد حقق عبادة عظيمة وهي التوكل على الله وحسن الظن به.

مع ختام رحلة الألم والتحدي خِلتني أترنم بكلمات شاعر معاصر قال فيها: سأسمو يا صديقي يوما فوق كثّار الهزائم، سأعود وأحلق كالفينيق، ومعي بين زغب أجنحتي هزائمي التي دجنتها لتغدو نجاحات عارمة..

مع نهاية رحلتي التي سرقت فيها شيئا من وقتك عزيزتي القارئة هل تعتقدين أن هناك صحة في التشبيه بين المرأة والحديد كما رسمته كلماتي أم لك رأيا آخر أتوق لمعرفته؟!.

للاشتراك في قناة بشرى حياة على التلجرام
https://telegram.me/bashra313
التعليقات
تغيير الرمز

د.عمار الياسري
العراق
2019-9-2
يرى اغلب المنظرين أن من شروط كتابة المقال وعلى امتداد بنيته خلق منظومة صراع أو مقاربة مادية بين موضوعين ، وحسنا فعلت الكاتبة حينما عقدت مقاربة علمية على وفق صياغات ادبية بين الحديد والمرأة موظفة الاية القرانية والشعر المعاصر سواء في خاتمة المقال ، حينما شبهت المرأة العراقية الصابرة بطائر الفينيق ، ابارك لها متمنيا الاستمرار بكتابة المقال الاجتماعي الذي ستتطور في كتابته مع القراءة والدربة إن شاء الله