ابتسامة قَدر

314 2019-05-08

وجدته ملقى على قارعة الطريق، يكاد يلفظ أنفاسه الأخيرة، لونه شاحب، وجسمه يعلوه التراب، احتضنته بسرعة ودوّت صرختها في السماء، منهكة القوى نحيبها لا يهدأ، تعتصر ذاك المخلوق الصغير بين يديها، والليل ببرودته يقسو على وجهيهما، تجر أذيال الخيبة من عالم لا يعرف معنى الرحمة، أوقفها رجل عجوز اتخذ من إحدى زوايا الحي سكناً له، سألها:

"مابكِ يا ابنتي؟" ما الذي اخرجك في هذا الوقت المتأخر من الليل؟"

"خرجت ابحث عن طفلي" قالتها بحرقة ودموع غزيرة.. 

 زادت حيرة الرجل "لكن هل خرج وحده؟ إنه طفل صغير لا يستطيع المشي بعد!"

"خرج مع والده"..

"وهل تاه عنه؟"

 "كلا بل سرقه مني بعد أن اشبعني ضرباً وفقدت الوعي وتركه في الخارج، وهذا تصرفه أغلب الأحيان".

 استغرب الرجل كثيراً وطلب منها الجلوس قرب النار "خذي نفساً دافئاً منها سيكون كل شيء بخير".

 جلست تستجدي عطف النار لرضيعها الصغير، عيناها متسمرتان لا ترمشان من الخوف عليه، نظر لها الرجل العجوز واطرق ينظر لجمرات النار المشتعلة وهو يقلبها بمقبض حديدي يتمتم بصوت مسموع "لماذا كل هذا؟ ما هو الذنب الذي جنته يداكِ ليكون مصيرك الهلع في منتصف الليل؟".

اطلقت ضحكة هيستيرية في الهواء "لا الومك أبداً حين تستغرب حالي، يتصور اني خائنة، وهذا ليس طفله، حين يتعاطى المخدرات يتحول إلى وحش كاسر".

"لماذا تزوجتِ حيواناً؟"

بسخرية غاضبة "لأن أخي حيوانٌ آخر هههه".

ضحك الرجل "إذن أنتِ ضحية الحيوانات الناطقة، تباً لهم ما أكثرهم في هذه الدنيا".

اطرقت رأسها نحو طفلها تقبله وتبكي كطفلة صغيرة "نعم ياعم أنا ضحيتهم وطفلي أيضا سيكون مثلي، ما أجمل الموت والذهاب إلى الجنة بعيدا عن هذه الحياة التعيسة".

وهي تتمتم، قدم لها العجوز شراباً دافئاً "لا بأس عليكما اهدئي الآن، سيكون كل شيء بخير، حدثيني فقط عن حياتك وأين تسكنين؟".

سردت له تفاصيل حياتها، ولم تشعر إلا والنوم غلبها، نهض الرجل وأسدل عليها غطاءه الوحيد، زاد الحطب في النار لتسعتر غضبا لهذه المأساة، كأنها استمدت طاقتها من وجع تلك المسكينة، غطت في نوم عميق، كحال من يسكن إحدى القصور الخيالية، فذاك المكان الدافئ برحمة هذا الرجل المسن، اشعرها بالأمان، فارتسمت ابتسامة حزينة على ملامحها كأنها ترى حلم عن الراحة والسلام، اشرقت الشمس وكأن خجلها يلون الصباح بألوان يوم جديد، استيقظت وهي فزعة من أصوات الناس المتجمهرين لسبب مجهول، نهضت مسرعة تتعثر بخطاها، رأت الرجل العجوز يقف هناك، ينظر لها بوجه بشوش كـأنه يقول "صغيرتي! ربك يمهل ولا يهمل".

للاشتراك في قناة بشرى حياة على التلجرام
https://telegram.me/bashra313
التعليقات
تغيير الرمز