الأصدقاء.. منهم من نال مرتبة الشرف وآخرون قادوا إلى الهاوية


"بدا النهار طويل جدا على غير عادته وأنا جالس تحت أشعة شمس, أجهل مصيري ومصير عائلتي, بعدما أخرجني صاحب الدار الذي كنت أقطن فيه لتأخري في دفع الإيجار.

في تلك اللحظات العصيبة لم يخطر ببالي غير صديقي (أبو عمار) صديق الطفولة الذي طالما كان ملجأي في أصعب الأوقات وما انقضت لحظات لأجد نفسي أطرق باب داره, لازلت أذكر ثغره الباسم وكرم استقباله الذي غمرني به, مرت ساعات حتى جهز لي الطابق العلوي من داره لأسكن فيه, وهذا ليس غريبا فهو كان سندي في الوقت الذي تخلى الجميع عني إلا هو".

هذا ما رواه أبو احمد (51) سنة وهو يعود بذاكرته ليخلد لنا موقف صديقة أبو عمار الذي  تجسد فيه روح الإباء والتعاون.

فقال مختصرا بكل الكلمات حديثه عن ابو عمار: "إنه ليس صديقي فقط بل هو أخ بمرتبة الشرف". 

ألوان الصداقة

كل الناس من كل الفئات من أعمار ومستويات فكرية أو مادية أو اجتماعية يحتاج الفرد منهم إلى صديق يحمل معه همه ويشاركه رأيه ويعتبره مستشاره في نصحه.

 لهذا تكتسي الصداقة أهمية خاصة لتأثيرها المباشر والكبير على حياتنا من الناحية النفسية والاجتماعية ويفوق هذا التأثير في الغالب تأثير الأسرة لأن الصداقة هي علاقة متميزة بين شخصين إذ يجمعهما التوافق الفكري والنفسي ويسودها الاحترام المتبادل، وكذلك تشابه الميول حيث يصبح كل منهم مرآة الآخر وعينه على الحقيقة، بخلاف مشاركته في الأوقات الممتعة والهوايات والمغامرات، فالشخص مهما كان مستواه الثقافي وموقعه الاجتماعي فإنه بحاجة إلى الرفقة التي تفهمه ويفهمها ويمارس معها أنشطته المحببة التي تتيح له أن يعبر عن مواهبه وقدراته..

 ولبيان أهمية الصداقة  أجرت (بشرى حياة) هذه الجولة الاستطلاعية لمعرفة الدور الذي تلعبه الصداقة في تحقيق التوازن النفسي والاجتماعي للإنسان في جميع مراحل حياته.

وفي السياق ذاته حدثتنا سمية علي (32) سنة قائلة: "لم تفلح محاولاتي بالتهرب من صديقتي حنان في مشاركتها الغذاء في الكلية فهي تصر على ذلك لعلمها بدخلي المحدود, فمنذ لقائي الأول بها في صفوف  الجامعة, وهي لم تكف عن مؤازرتي ومد يد العون لي، فشاطرتني كل شيء حتى نوبات مرضي من ارتفاع السكر وانخفاضه المفاجئ حيث تعلمت إعطاء حقن الأنسولين فقط من أجلي, ناهيك عن شراءها لي بعض من الجرع حينما لا أملك مالا كافيا".

وأضافت: "إن الدعم الذي قدمته حنان لي في أوقاتي الصعبة, جعلني انهض بعد كل مطب في حياتي من جديد وأقاوم حتى مرضي, فكانت مثالا للصديق الحقيقي, الذي يبث السعادة والارتياح".

ويخالفها رأي سرمد مشتاق (33) سنة قائلا: "لا بد من التريث عند اختيار الأصدقاء، والتأكد من صفاتهم وأخلاقهم, لأن ما نشاهده في الوقت الحالي من علاقات شوّهت معنى الصداقة الحقيقي، فهناك من يستغل ارتباطه بشخص معين لمصلحة شخصية، وما أن تنتهي ينتهي كل شيء, فكانت ثقتي بصديقي ناصر ثقة عمياء حتى ائتمنته على مالي وعيالي ولم اشك به قط, حتى جاء ذلك اليوم الذي طلب مني ان اكفله من اجل (قرض)، لم أتردد أبدا بالموافقة على ذلك, مضت الشهور دون أن يسدد ناصر أقساط القرض, وأخذت الجهات المعنية باستقطاع راتبي, ودخلت في دوامة البحث عنه دون جدوى بملاقاته, حتى عرفت مؤخرا بسفره خارج البلاد".

وأضاف: "كان تصرفه خير دليل على سوء نواياه وإن صداقتنا المتينة تلك وقعت تحت وطأة المصالح والمنافع".

 وختم حديثة متأسفا: "إننا في زمن لا توجد فيه صداقة، وإنما مصالح متبادلة، بمجرد أن تنتهي المصلحة تنتهي العلاقة، ذاكراً أنه لا يملك في حياته أي نوع من الصداقات المتينة والعميقة، وأن علاقاته كلها لا تتعدى الرسمية والسطحية، لكي أتجنب الصدمات التي من الممكن أن تسببها العلاقات القويّة".

وينقل أبو خالد مخاوفه قائلا: "كنت أتغاضى عن تصرفات ابني خالد وتغيره المفاجئ وسلوكياته التي خرجت عن إطار تربيتنا وعاداتنا على أنها تصرفات صبيانية ويتغير بمرور الوقت, لكن تجاوزاته على والدته جعلني أوجس خيفة  من ذلك, وبعد التقصي عرفت بمرافقته لأصدقاء السوء الذين زرعوا كل أفكارهم السيئة وتصرفاتهم غير الخلوقة به,  وبعد فشل محاولاتي بإقناعه بالابتعاد عنهم وتراجع مستواه الدراسي قررت حينها بيع منزلي والانتقال لمنطقة أخرى, من اجل احتوائه مرة أخرى وإعادته إلى طريق الصواب".

حدود الصداقة

وتشير الاستشارية النفسية نور الحسناوي الى: "ان للصداقة حدود واكتشاف هذه الحدود يرتبط بالشخص نفسه, اذ ترتكز هذه الحدود بعدم التعمق بالصداقة, لأن الإسراف في امتداد عمق العلاقة يؤدي إلى فسادها، فالبشر مهما اتفقوا لابد وأن يختلفوا، لاسيما وأن الإنسان عنصر متغير تختلف كل فترة مزاجيته وربما سلوكياته ومعتقداته أيضاً".

وأضافت: " لهذا يتوجب على المرء وضع حدود للخصوصيات الشخصية والتفاصيل اليومية, لأن العديد من الصداقات أفسدتها كشف التفاصيل لهذا علينا انتقاء الأصدقاء بعناية.

كما إن الأصدقاء لا تجمعنا بهم الصدفة البايلوجية مثل الأخوة إنما نحن من ننتقيهم, والانتقاء هنا يترتب عليه شخصية من نختاره ليكون خير صديق في أوقات الشدة".

كما بينت الحسناوي: "إن للصداقة شروط أهمها التوافق الفكري والنفسي والاحترام المتبادل، إضافةً إلى تقارب العمر، وهذا ما يجعل العلاقة متينة, على أن لا تتسع دائرة العلاقة فهذا سيؤدي إلى مساحة أكبر للاختلاف، كما إن الغيرة تلعب دورها في إخماد أقوى العلاقات".   

ختمت حديثها: "أن الأخلاقيات السوية هي وحدها من تحافظ على الصداقة الحقيقية البعيدة عن المصالح الشخصية، التي تسمو عن السلوكيات الخاطئة, مثل الغيبة, والنميمة, والانشغال بعيوب وخصوصيات الآخرين".

للاشتراك في قناة بشرى حياة على التلجرام
https://telegram.me/bashra313
التعليقات
تغيير الرمز