كلما دعوت الله نجوت

1248 2019-12-23

الدعاء أفضل الأحاديث بل أوسعها وأشملها، يمكنها أن تستجاب ويمكن أن لا يستجيب الله دعاءك يا أيها الداعي، ولكن أما فكرت قط  بأن عدم الاستجابة ربما كان رحمة بك؟ إن الإنسان يجتهد فيدعو بما يحسبه خيراً له، ولكن اجتهاده ربما أخطأ وربما أصاب، فإذا أخطأ دعا بالشر من حيث يريد الخير، ولعل هذا المعنى متضمَّنٌ في قوله عز وجل: (ويَدْعُ الإنسان بالشرّ دعاءه بالخير).

فهناك أناساً نظروا إلى الوراء وتذكروا دعوات دعوها ولم يستجب لها الله وأدركوا -في وقت لاحق- أنها كانت شراً لو استُجيبت، فحمدوا الله كما لا يكاد يحمده الفائزون بأعظم الخيرات، يا أيها الناس: لن تحصلوا على الطمأنينة إلا إذا رضيتم بالقدر. إن من صفات المؤمنين أنهم {رضي الله عنهم ورضُوا عنه}؛ الله يرضى عنكم فيختار لكم ما فيه الخير لكم، فارضوا أنتم عن الله برضاكم عن اختيار الله.

القدر ماض إلى غايته، فمن رضي به كسب راحة النفس وأجر الرضا، ومن سخط ركبه الهمّ ولم يغيّر من القدر شيئاً. واقرؤوا -إن شئتم- هذا الحديث النبوي العظيم: “إن عظم الجزاء مع عظم البلاء، وإن الله إذا أحب قوماً ابتلاهم، فمن رضي فله الرضا ومن سخط فله السخط”.

ربما ضاقت عليكم اليومَ الأرضُ بما رحبت، وربما استأخرتم النصر كما استأخره صحابة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فإنهم جاؤوه وهو في فناء الكعبة وقد اشتد عليهم البأس واشتد الضيق فقالوا: “يا رسول الله، ألا تدعوا لنا؟ ألا تستنصر لنا؟”. إنكم تحسّون في هذه الكلمات بضراوة المحنة وتحسّون فيها بثقل المعاناة، فهل كان الله ليختار لصحابة نبيه الكريم شراً أم يختار لهم الخير؟

إن العبادة العظيمة، العبادة الشريفة، العبادة التي يحبها الله، العبادة التي لو تركت يغضب الله، العبادة التي هي عند الله بمكان، العبادة التي هي من أصل التوحيد، والدالة على التوحيد: الدعاء، دعاء الله -تعالى-، هذا الدعاء شأنه عظيم، يقرب من المولى، ويبرهن على التوحيد، وفيه صدق المناجاة، تفرج به الكربات، وتحقق به الحاجات، وتدفع به السيئات، وتستجلب به البركات، تفتح به الجنات، وينجي من النار والعذاب الأليم.

تأمل في دعاء موسى -عليه السلام- ماذا فيه؟ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ [القصص: 24].

وصل موسى -عليه السلام- إلى مدين حافيا جائعا، طريدا خائفا، منهكا، متعبا، وبشهامته وحبه للخير، سقى للمرأتين قطيع الغنم كاملاً، وسط أولئك الرجال والرعاة، آوى إِلَى الظِّلِّ، في هذه الحالة من البؤس والافتقار والشدة، وهو يقول: رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ. محتاج إلى خيرك يا رب سرعان ما جاء الفرج. (فَجَاءتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاء) [القصص: 25] وجاء معها المأمن والمأوى والمأكل والعمل  والزواج والطمأنينة والبيئة الطيبة، والصهر الصالح.

تأمل في دعوة أيوب: رب إني مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ [الأنبياء: 83] لماذا لم يقل: اكشف ما بي، كان شكاية الحال كفاية عن السؤال، شكاية الحال هذه من أسباب الاستجابة العظيمة.

ويعقوب -عليه السلام- يقول: إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللّهِ [يوسف: 86]، إِنَّمَا أَشْكُو لاحظ -يا عبد الله- إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللّهِ. الكربات كثيرة، نوائب الدنيا متعددة، ضغوط الحياة شديدة، وفي النهاية الإنسان لا بدّ أن يشكو، لا بدّ أن يخرج ما في نفسه، وإلا ينفجر، وإذا كان إخراج الحاجة للمخلوق فيه نوع ذل، والشكاية للمخاليق ليست حميدة، فإلى من تكون الشكاية إذًا؟ ومن الذي يستفرغ عنده الشدة والكربة، ويشكى إليه الحال؟ إنه الله -عز وجل-، وتكون الشكاية في هذه الحالة سؤال ودعاء بحد ذاته، ولذلك لما تقول: أنت القوي ونحن الضعفاء، أنت الغني ونحن الفقراء، المظلوم كسره الظلم الذي وقع عليه، فهو ضعيف، مستضعف، حقه ذاهب، قد وطئ. المسافر كسرته الغربة والبعد عن الأهل والوطن.

إذًا الله يستجيب في أحوال الانكسار، وفي أحوال الضعف، وفي أحوال إظهار الافتقار، وفي أحوال الشدة.

إذا اشتد الكرب فلا تحزن، فإن الفرج يأتي من ورائه، وإن العسر يستدرج اليسر، وإن النصر ليركب على مركب الصبر. ولا تنسَ أيها المؤمن بالله وبوعد الله: إن الله لا يختار لك إلا الخير، وإن في صبرك على الأمر الذي تكرهه خيراً كثيراً.

للاشتراك في قناة بشرى حياة على التلجرام
https://telegram.me/bashra313
Voting

اذا ذهبت الى السوق أي بضاعة تشتري؟

  • عراقية
  • عربية
  • تركية
  • اجنبية
Ajax Loader
التعليقات
تغيير الرمز