إستراتيجية الهليكوبتر في تربية الأبناء

شارك الموضوع:

يسعى الكثير من الآباء بوعي أو بغير وعي إلى الوصول بأبنائهم لمرحلة من المثالية

حرص علماء النفس والتربية منذ عقود طويلة على دراسة أساليب التربية والتنشئة وأثرها على الطفل على مدى المراحل العمرية المختلفة لما في ذلك من أهميةٍ كبيرة على الفرد والأسرة والمجتمع, حيث أنّ أغلب الأمراض النفسية التي يشهدها العالم هي بالأصل نتاج فشل علاقة الأبوين بأطفالهما واستيعابهما لهم في مرحلة الطفولة, فالتربية طريق صعب وطويل وعلم يُدَرس الآن في كثير من الدول إذ يسعى الكثير من الآباء بوعي أو بغير وعي إلى الوصول بأبنائهم لمرحلة من المثالية والتميّز في تربيتهم وتنشئتهم إياهم.

ولكن قد يحدث أن يبالغ الأبوين في رعاية الطفل لدرجة الهوس فيسيطرون على كل جانب من جوانب حياة أطفالهم بدقة، بل ويتحكمون في كل تحركاته بحجة حمايته.

حيث كشفت بعض الدراسات أن هذه الطريقة من التربية قد تبدو من الخارج أنها جيدة لأنها توفر المزيد من الحماية ومضمونها الحب والحماية، ولكن الحقيقة أن الطفل من سيتأذى وقد تصل عواقب الأمر لتُدمر حياته المستقبلية!.

ومن هنا ظهر مصطلح (الآباء المروحيات) أو (إستراتيجية الهليكوبتر).

ماذا نعني بإستراتيجية الهليكوبتر؟

أشيع مصطلح استخدام إستراتيجية الهليكوبتر أو الآباء المروحيات بغرض تشبيه الآباء المفرطون في الحماية، من قبل الدكتور هايم جينوت عام 1969, ويستخدم هذا المصطلح لتعريف الآباء الذين يبالغون في حماية أطفالهم ويتحكمون في كل جانب من جوانب حياتهم فيبدو وكأنهم يحومون فوق رؤوس أطفالهم بطائرات للمراقبة.

فوفقًا للخبراء، أضحى هذا النمط من الآباء شائع للغاية في أيامنا هذه وأحد أسباب ذلك هو رغبة الوالدين في تفادي جميع المؤثرات الخارجية التي قد تسبب خيبة أمل في حياة أطفالهم، فهم مستعدون للتضحية من أجل حماية أطفالهم من جميع التهديدات المحتملة، وينتهي بهم الأمر إلى الحد من حرية أطفالهم في التصرف بمفردهم واتخاذ قراراتهم الخاصة وبالتالي عدم التعلم من أخطائهم.

ولنوضح ما هو ذلك الأسلوب فلنحكي عن بعض الأمثلة:

- طفل صغير في عامه الثاني أو الثالث يتعثر في بيته بطرف السجادة مثلًا ويقع أرضًا، صدمة بسيطة جدًّا، فترى الأم أو الأب يذهب إليه مهرولًا ليساعده على النهوض، بالرغم من عدم وجود إصابة أو كدمة وبالرغم من قدرة الطفل على النهوض بمفرده.

- طفل في الرابعة من عمره بدأ نموه النفسي في اتخاذ مساره الصحيح ويحب اللعب منفردًا في بعض الأوقات، تأخذ الأم الرأفة به ولا تسمح له مطلقًا باللعب منفردًا وتشاركه بشكل مستمر طول اليوم, إلى أن تصبح ظلاً له أينما ذهب.

 - طفل أكبر في مرحلة الدراسة الابتدائية يحب أن يشترك في نشاط مدرسي معين، ترفض الأم وتختار بدلًا منه النشاط أو الرياضة أو تختار الأصدقاء بدلاً عنه وتتدخل في كل كبيرة وصغيرة بل ويصل الأمر في بعض الحالات أنها تنوب عنه في الإجابة إذا وجه أحدهم سؤال له!.

-  تقوم أيضاً بواجباته المنزلية بنفسها حتى تضمن أن يكون الأفضل في الفصل الدراسي.

- تخوض المعارك بدلًا من الطفل فلا تمنحه الفرصة للدفاع عن نفسه.

فإستراتيجية الهليكوبتر تعني الحماية المبالغ فيها التي تصل إلى حد السيطرة على الطفل مما يمنعه من التطور بشكل طبيعي ويمنعه من تجربة كل المشاعر الموجودة في الحياة حتى ولو كان إحساس الفشل, وعادة ما يعاني هؤلاء الآباء من القلق الدائم ولا يشعرون بالاسترخاء بسبب ما يتخيلونه من تهديدات محاطة بأطفالهم لا وجود له في الواقع.

ما الذي يدفع الآباء لاعتماد هذه الإستراتيجية؟

1- اعتقاد الآباء أن الأبناء أحد أملاكهم الخاصة وبالتالي فهم وحدهم أصحاب الحق المطلق في التحكم بحياتهم وترتيب شؤونهم.

2- خوف الآباء من الخيبة والفشل الذي من الممكن أن يلحق بالأبناء (مع العلم أن تلك المشاعر وإن كانت صعبة وغير مفضلة فهي من المشاعر التي يجب اختبارها في الحياة بشكل أو بآخر).

3- افتقاد الآباء للحب والاهتمام في صغرهم، فيعملون على تجنيب أبنائهم وتعويضهم بفرض سيطرة كاملة عليهم.

4- محاولة الآباء تعويض إخفاقاتهم من خلال أبنائهم فيجعلون من أبنائهم رسومًا تمشي بدلًا منهم في نفس الطريق الذي لم يتمكنوا من السير فيه.

ما عواقب اعتماد إستراتيجية الهليكوبتر في التربية؟

1- ينشأ الأبناء دون أدنى ثقة من الإحساس بتقدير الذات، فطالما عاشوا لا رأي لهم ولا قدرة لهم على اختيار أي شيء مهما كان خاصاً بهم بشكل مباشر.

2- يفتقدون بعض القدرات الطبيعية بالنسبة لأعمارهم كالقدرة على التفاوض وحل المشكلات والمواجهة.

3- لا يتعلم الأبناء كيفية التعبير عن مشاعرهم مما يسبب أضرارًا حياتية، فهم لا يعبرون عن مشاعرهم ولا يسمحون لأحد أن يعبر عن مشاعره تجاههم وبالتالي يتطور كبت المشاعر وعدم الإحساس بالتقدير إلى أمراض نفسية مثل الاكتئاب أو القلق.

4- يعتقدون أن العالم وردي كما صوره لهم الآباء، فالطفل الذي لا يعرف معنى للمشكلة لأن ماما لا تسمح له أصلًا بوجود مشكلة ولا يعرف كيف يحلها لأن الأب يتدخل بصورة مباشرة لحلها لن يفهم معنى أن العالم به الكثير من العقبات التي لا بد من مواجهتها.

كيف يُمكن للآباء تغيير هذه الإستراتيجية في التربية؟

إذا اكتشفت بأنك تتبع إستراتيجية الآباء الهليكوبتر(المروحيات)، فلا تيأس فهناك بعض الخطوات الفعالة التي يمكنك اتخاذها لتغيير إستراتيجيتك للأفضل:

1- تعلم أن تتنحى جانباً وأن تدع ابنك يتحمل المخاطر، فالتعلم بالممارسة سيزيد من احترام طفلك لذاته، وأخبره دائماً بأنك متاح للمساعدة عندما يحتاج إليك.

2- ثق بطفلك بدرجة أكبر وعلمه المهارات الحياتية تبعًا لسنه، مثلا طفل الثانية يستطيع أن يضع الملابس بالغسالة دون تشغيلها، طفل السادسة يستطيع وضع الملابس وتشغيل الغسالة، طفل العاشرة يستطيع وضع الملابس وتشغيل الغسالة وإخراج الملابس بعد الغسل، لا تسمح لأبنك أن يكون إتكالياً لمجرد أنك تحميه كما تعتقد.

3- دع طفلك يفشل ويتعلم من أخطائه، فهذا جزء مهم من النمو والتعلم الذي سيساعد طفلك على التغلب على الفشل وخيبة الأمل في حياته عندما يكبر.

4- وأخيراً لا تتردد في استشارة خبير في تربية الأطفال إذا كنت تشعر بأنك تُسيطر على حياة طفلك بشكل مبالغ فيه، لتُعدل من سلوكك في أقرب وقت ممكن قبل فوات الأوان!.

وفي النهاية يخبرك علم النفس أن الأفضل لصحة طفلك النفسية والجسدية هي أن تجعله يدرك عواقب أفعاله، وأن تدرك أنت شخصياً أنك لا تملك القدرة على التحكم في كل أفعال طفلك، ولكن يمكنك فقط أن تتحكم في رد فعلك على تصرفاتهم فلا تجعل طفلك مركز الكون وخذ خطوات صغيرة تجاه منح جزء من الحرية لطفلك، على سبيل المثال: إذا كان طفلك لديه القدرة على ربط حذائه فلا تتبرع بذلك واسمح لهم بارتكاب الأخطاء وشاهدهم من بعيد وهم يحاولون إصلاحها، وهذا الأمر لن يكون مفيدًا لطفلك فقط ، بل سيكون مفيدًا لك أيضًا فستجد نفسك أكثر هدوءًا وأكثر سعادة.

المصادر:
 موقع زد
 علمتني كنز
 موقع الجانب المشرق
 نون بوست
شارك الموضوع:

آخر اضافات الكاتب (ة):

اضافة تعليق