عقلي أم قلبي.. أيهما اجدر بالقيادة؟!

1330 2018-05-24

الحياة الدنيا مدرسة الانسان سيتعلم فيها الكثير ما دام على قيدها، وللإنسان فينا عدة إحتياجات يتطلع لإمتلاكها او صنعها بنفسه، منها المادية التي له أن يستحوذ عليها بعدة طرق؛ سيحصل على أغلبها بما يمتلك من فطنة يمنحها إياه عقله، ومنها المعنوية التي لن يحصل عليها إلا بالحُب والعاطفة  وذلك ما يمنحه اياه قلبه، وشتان ما بين العقل والقلب..!

حينما نتمعن النظر جيدًا نجد إن القلوب كالأطفال، في بداية الأمر تكون نقية بريئة لا  تعرف سوى الحُب، وحين انخراطها في معترك الحياة قد تصطدم بجدار الخداع والمكر، او تنصدم بقوة وربما تُكسر جراء بشاعة الكذب والغدر، وغالبًا ما تُجرح بفعل كلمات قليلة لكنها قاسية عليها، فليس كل ما يُقال يصيب المسامع؛ هناك ما يصيب القلوب فتنزف خيبة!..

والعجيب في الأمر أن هناك بعض القلوب لا تنتهي عن ما يسبب تحطمها! تبقى أسيرة لأهوائها ومنقادة نحو الهاوية مرارًا وتكرارًا؛ تفرض هيمنتها فتلحق الأذى بالروح والجسد وبالعقل احيانًا! وترفض التعلم من أخطائها ودائمًا ما تُلقي اللوم على محطميها وكأنها لم تقتفِ أثرهم عنوة ولم تكن هي السباقة صوب الغامض والمجهول!.

فكل مايحدث  لذاك القلب الجاهل من إخفاقات وانكسارات وآلام، هو من يأتي بها إليه! وذلك كونه حالم شغوف بلا تفكر، سريع الوقوع في شباك ما يستهويه، دون أخذ الحيطة والحذر للتأكد من سلامة الطريق الذي يسلكه والى اين سينتهي به..!

أما العقل فهو أمين الروح وقائد الجسد إنه مسؤول نزيه دائمًا ما يتدبر إعادة الأمور الى نصابها، يُحافظ على السلام بكل قوته حيث يدرس القضايا جيدًا؛ يكتشف الثغرات ويكشف الحقيقة ثم يُدين الجاني ويلقنه درساً، أو يجد الحلول المناسبة للقضاء على المشكلة وفي كلتا الحالتين يعمل جاهدًا على إنهاء الأزمة بأقل الأضرار..

العقل أحب خلق الله إليه جَل جَلالُه، فقد رُوي عن الإمام محمد بن علي الباقر (عليه السلام) أنه قال: "لما خلق الله  الْعقل استنطقهُ، ثُم قال له: أَقبل، فأَقبل، ثُم قال له: أَدبر، فأَدبر، ثُم قال:

 وعزتي وجلالي ما خَلقت خلقًا هو أَحبُّ إِليَّ منك، ولا أَكملتك إِلا فيمن أُحب، أَما إِني إِياكَ آمر، وإِياك أَنهى، وإِياك أُعاقب، وإِياك أُثيب.

والعقل هو الحجة الباطنة التي يحتجُّ الله جلَّ جلاله بها على عباده، فقد رُوي عن الإمام موسى بن جعفر (عليه السلام) أنه قال لهشام: "يا هشام: إِن لله على الناس حجتين، حجة ظاهرة،

 وحجة  باطنة، فأما الظاهرة  فالرسل والانبياء والأَئِمةُ (عليهم السلام) وأما الباطنة فالعقول" (1).

 لذا دائمًا ما نحتاج العودة الى عقولنا، لنتفكر جيدًا ولنأخذ الامور على محمل الجِ ؛ فقد يحدث ان نعاقب بسبب كلمة نطقناها او وعد قطعناه اثناء جدال من قلب حدث عابر نحن من ظنناه كذلك ولكن المقابل اتخذ منه ذريعة..!

لذلك علينا الانتباه قدر الامكان الى مانقول ونفعل وفيما نرغب تحديدًا، ومن المهم تحكيم عقولنا لأجل إتخاذ القرارات الصائبة والشروع فيها؛ ومن أجل بلورة المشاعر والتأكد من صلاحيتها، لنرى إن كان ما نشعر به ضمن حدود المنطق الذي يتمحور حول المعقول والمقبول وما سيترتب عليه فيما بعد، فلسنا وحدنا في هذه الحياة واننا نرتبط بكل من حولنا بشيء معين يؤثر عليهم

 ويعود علينا، أما الأهم أن يكون بما يرضي الله تعالى..

إن العقل والقلب في ترابط لا يشبهه ترابط، لكن القلب غالبًا ما يكون على خلاف مع العقل او بالأحرى عندما يجد ما يبحث عنه او ما يحتاجه يهرول مسرعًا للحصول عليه بشتى الطرق

والوسائل ويسعى لإحتضانه وان كان حوله او ما فيه كومة اشواك! فيحدث انه يبذل قصارى جهده لنيل ما يتمناه ويثابر للحفاظ عليه؛ ثم يندم على قدر التمني والمثابرة! وذلك لعدم عودته  للعقل وسؤاله عن كيفية الإختيار الصحيح والتمسك به شريطة خلوه من السوء الكثير، فإن عليه إدراك حقيقة مهمشة هي إن بعض المشاعر تتبدل بمرور التجارب ولا شيء سيبقى على حاله إن لم يكُن صادقًا وعميقًا بصورته الجلية..

 وإن أهم ما يجب تعلمه والإلتزام به؛ طريقة التعامل الوقاد الذي يتناسب مع جميع المعطيات، فلا نكران لوحي القلب من فضائل؛ بيد انه قليلًا ما يكون على صواب، فينتهي به الأمر جزوعًا غالب الاضطراب!

صنفت القلوب الصحيحة في القرآن الكريم على عشرة انواع، اما القلوب الميتة والمريضة فمدارها في كتاب الله تعالى على خمسة وعشرون نوعًا، لا يسعني ذكرها كلها هنا يمكنكم مراجعة سلسلة انواع القلوب في القرآن الكريم.

وهكذا تبقى القلوب واجلة بحسب تصنيفها وخصوصًا العنيدة منها، والحقيقة بكل اصنافها سيصيبها الضرر؛ فان كانت غير صحيحة فعلى قدر سوئها وان كانت طيبة فعلى قدر طيبتها!..

 لذا كثيرًا ما يحتاج القلب إغلاق فمه ليتسنى للعقل تحليل الامور والغوص في سبر مسبباتها، وحينئذ ستتضح للقلب معالم ميوله، وبذلك يسهل عليه إتخاذ القرار الصائب وحماية جوفه من التصدع لاحقًا، فللقلب عاطفة تأسره نحو خيال ربما تغلفه الرغبة او غالبًا تتملكه الشفقة؛

 وللعقل فكر يضعه نصب الواقع الذي لا بد من مواجهته فور انتهاء العاصفة..!

وبعد كل ما ذكر برأيكم أيهما اجدر بالقيادة؛ العقل ام القلب؟!

---------------------------------------------------
(1) الكافي: 1 / 16 ، للشيخ أبي جعفر محمد بن يعقوب بن إسحاق الكُليني.

للاشتراك في قناة بشرى حياة على التلجرام
https://telegram.me/bashra313
التعليقات
تغيير الرمز