مشروع الثقافة بين الدين والمجتمع في رؤية الفقيه الشيرازي

ينقسم المجتمع إلى عدة أقسام منها المثقف والمتدين والجاهل، وآخرين ضائعين لا يعرفون من الحياة غير متى يصرف الراتب؟ ومتى يحين وقت النوم؟.

يعيش اليوم المجتمع  تفاوتا في وضع المعيشة بين الأفراد، وثلة نادرة بين ما يجمع الثقافة والدين فيكون مثقف ديني واعظ، وعلى سبيل المثال نرى اليوم الذي يرتدي لباس أهل العلم كأن يكون (شيخ أو سيد) ويعتبر من النخبة الدينية وإن كان ذو ثقافة وعلم فلا يمارس دوره الثقافي من دون أن يرتبط بالدين؟ وما إن يتحدث بالثقافة ويناقش بعض القضايا حتى يرد عليه المجتمع هذا ليس من اختصاصك تكلم في أمور الدين فقط، لذا نجد أن المجتمع اليوم متقلب في الآراء مزدوج الشخصية، نسمع أن الخطيب الفلاني يتحدث عن أمور الدين فقط وكل ما يذكره هو مطروق من قبل، وإن ناقش بعض الروايات وخالف رأي المجتمع يعتبره متناقض وقد يلقى بسوء في جانب آخر.

ومن هوان المجتمع أنه أصبح لا يرغب في سماع النصح والوعظ  أو يأخذ عبرة من دروس أهل البيت (عليهم السلام) وإن كانت مسؤولية الإلقاء تبقى على الخطيب ومدى ثقافته واحاطته في القضايا المنبرية وكيف يدمج بين الدين ومشاكل المجتمع.

وهنا أطرح هذا السؤال هل عطّلَّ المجتمع دور المثقف الديني أم أنه هو السبب في تعطيله لعدم إلمامه بمعاناة المجتمع؟

بين من يقول أن بعض من يدعون الثقافة الدينية اليوم أصبحوا يهتمون في الصوت والصورة تاركين الجوهر، والبعض الآخر يهتم في فكره وتنمية الثقافة العامة عنده من خلال الحضور في الندوات والمناقشات وقراءة الكتب المتنوعة وليس فقط الدينية وتأليف الكتب واتخاذ الطريق الثقافي في ايصال رسالة المنبر الحسيني، حتى يعرف الجمهور الحسيني مفاهيم القضية الحسينية ولا يكتفي فقط بطرح التقليدي، فعالم اليوم يجمع بالثقافة الالكترونية وكيف يمكن استخدامها في القضية الدينية ومع وصول مواقع التواصل الاجتماعي واستخدام البث المباشر، يساعد على سماع الخطيب على بعد قارة أخرى وبيئة أخرى.

لكن القضية تفقد لذة استيعاب المجتمع بما فيه فئة الشباب تلك الفئة التي ما زالت ضائعة بين عائلته تحرم وأصدقاء تحلل، فلماذا لم يلم خطباء الدين زهور المجتمع ويتم توعيتهم وتقوية أفكارهم بأسلوب يجعلهم قادرين على مواجهة التيار الثلاثي الخطير (الإلحاد، المخدرات، الجرائم الجنسية)، فبين الفترة والأخرى ترى هناك جريمة في منطقه شعبية، والشباب الفلاني من عائلة عرف عنها الالتزام الديني خرج عن مسار تربيته وأصبح يعلن الإلحاد أمام الجميع كما فعل ابن نبي الله نوح؟.

من يتحمل هذه المسؤولية؟

إن واقع المسئولية على الجانب الأسري والتربية الخارجية التي تشمل المجتمع، فلو كانت الأسرة والمجتمع الذي يضم المعلم والطبيب ورجال الدين، متكامل ثقافيا ودينيا لما خرجت هذه التيارات المضادة فكريا، وفي الزاوية الأخرى لو قدم رجل الدين رسالته في تبليغ الشباب هل يستجيب الشاب لهذه الرسالة؟.

وحتى ينجح المشروع الاجتماعي من الجوانب المتلاحمة أجاب منذ زمن سماحة الفقيه السيد محمد رضا الشيرازي، وفي الجواب عن ذلك أشار إلى نقطة واحدة وهي ملء منطقة الفراغ في المجتمع، فهناك منطقة فراغ هائلة، وليس منطقة فراغ واحدة بل مناطق فراغ إذا لم يملأها المتدينون، فسوف يأتي الآخرون ويملؤوها ويسحبوا المجتمع نحو الانحراف العقائدي والأخلاقي والديني والاجتماعي.

فقالوا يجب علينا أن نملأ بلادنا بالمؤسسات الاجتماعية والدينية والاقتصادية، فيملؤوا الفراغات بمقدار ووقفوا أمام الشيوعية، فلماذا الذي يعيش في الغرب لا يصبح شيعيا، ففي الوقت الذي كانت الشيوعية تملك الساحة العراقية كان العراقيون يعانون من مشكلة اقتصادية وثقافية ودينية، فملك الشيوعيون الشارع عبر هذه المنافذ، إذن فالموضوع الثاني أن ضرورة المشاريع الاجتماعية تنبع من ملء منطقة الفراغ.

 والآن يمر العراق في حالة خطرة أيضاً، بمعنى مرة كان هناك مد شيوعي ومرة كان هناك مد بعثي، وهناك خطر في المستقبل أيضاً، فإذا لم يملأ المتدينون مناطق الفراغ سيعود الخطر مرة أخرى.

المشروع الثقافي

كان أحد الطلبة الشباب في تفصيل، لا يملك أية إمكانيات وقد التقيته قبل عامين، كان لديه موقع على الانترنت فقلت له: كم يدخل من الأفراد لهذا الموقع في كل يوم؟ إنه موقع لشاب معمم في حدود الثلاثين من العمر، ومن دون أية إمكانات ولا تدعمه أية جهة، فقال: في كل يوم يدخل في موقعنا في الآونة الأخيرة مليون شخص، كل يوم وليس كل شهر!، إننا إذا أقمنا مجلساً من الممكن أن يأتي ألف شخص وهذا عمل عظيم أو عشرة آلاف شخص وهذا عمل عظيم، يُقال أن الخطيب الفلاني المشهور يحضر تحت منبره في شهر محرم ثلاثون ألف شخص، وهذا عمل عظيم، أما هذا الشاب فقال، يزورني في كل يوم مليون شخص وله موقع معروف.

وكان هناك مؤلف يكتب كتاباً حول أمير المؤمنين (عليه السلام) وكان لديه كتب أخرى أنقل مضمون القضية لأنني سمعتها قبل مدة طويلة وهذا مجملها فكان قد وضع كتباً أمامه ليكتب، وفي أحد الأيام رأت زوجته أنه جمع كل كتبه ووضعها في الرف وترك الكتابة، فسألته زوجته: لماذا تركت الكتابة؟ قال: في الواقع انني أتعب وأكتب لإتمام تأليف الكتاب لكنني لا أملك ثمن طبعه، وهذه هي المشكلة التي يعاني منها المؤلفون دائماً- فقالت له سأبيع ذهبي لطبع هذا الكتاب. فلم يقبل الزوج، فقالت الزوجة، إما أن تأخذ الذهب وتبيعه لتطبع به الكتاب وإما أذهب بنفسي وأبيعه وأعطيك ثمنه، فأنت تريد أن يكون هذا الكتاب وسيلة لشفاعتك عند أمير المؤمنين عليه السلام وأنا أريد أن يكون هذا العمل وسيلة لشفاعتي عند الزهراء عليها السلام.

وفعلاً باعت هذه المرأة الذهب وطبع الكتاب وهو موجود الآن تحت عنوان (حياة أمير المؤمنين)، يوجد الآلاف من هذه النماذج في البلاد الإسلامية أو مئات الآلاف، كانت لدى الوالد رحمه الله كلمة لطيفة، يقول إن كل ما قلناه للناس عملوه، قلنا لهم ابنوا المساجد فبنوها، وقلنا لهم ابنوا الحسينيات فبنوها، وقلنا لهم اطبعوا الكتب فطبعوها، وقلنا لهم أقيموا المجالس ففعلوا ذلك، فإذا لم نقل لهم مثل هذا الكلام سيكون الذنب علينا، فالحقيقة يمكن أن يستفيد طلاب العلم ورجال الدين والمتدينون من هذه الطاقة الهائلة الموجودة في المجتمع لبناء مئات بل آلاف أو عشرات الآلاف من المساجد وهي قليلة أيضا وآلاف الحسينيات وملايين الكتب.

للاشتراك في قناة بشرى حياة على التلجرام
https://telegram.me/bashra313
التعليقات
تغيير الرمز