استراحة تحت أفياء البصيرة

امتلاك البصيرة هي نعمة عظيمة لا تُقدر بثمن، ذلك لأنها نور يضيء عتمات الروح ودهاليزها المظلمة.. من منا لا يبتغي البصيرة ولا يتمناها؟!

جميع البشر أنعم الله عليهم بحاسة الابصار، ورؤية الأشياء بالعين المجردة، إلا القليل ممن فقدوا نعمة البصر لسبب أو لآخر، إلا ان البصيرة هي مرحلة لا يصل اليها إلا من كان مؤهلا لبلوغها، ولن ينالها إلا ذو حظ عظيم.

ولعل أول من يتبادر إلى اذهاننا، حين ننطق بكلمة بصيرة هو العباس بن علي عليهما السلام، لأنه كان بحق رجلا بصائريا، بصيرته الثاقبة والنافذة هي التي قادته لاتباع الحق والتمسك بالطريق المؤدي للجنان، فهو كما وصفة الامام زين العابدين عليه السلام، حينما قال عنه:

"كان عمي العباس بن عليّ (ع) نافذ البصيرة" والبصيرة هي بصر القلب ورؤيته التي يرى فيها الواقع على ما هو عليه، ويتطلع إلى المستقبل وكأنه أمام ناظريه..

والبصيرة بالتالي هي موهبة إلهيّة ومَلَكَةٌ تحصل لدى الانسان البصير، من خلال الاتيان بأفعال معنوية مقرونة بتوفيق رباني، وكل شيء لن يتحقق له الفلاح والنجاح ما لم يكن مقرونا بتوفيق من الله سبحانه وتعالى، ورغم تسمية الانسان الذي يتمتع بقدرة الابصار بصيراً، إلا أن البصير حقا هو من يتمتع بالبصيرة، والبصيرة مرتبة أعلى من الابصار بالعين، لذا نجد الامام أمير المؤمنين عليه السلام يقول: "ذَهَابُ الْبَصَرِ خَيْرٌ مِنْ عَمَى الْبَصِيرَةِ".

ويقول أيضا: "فَقْدُ الْبَصَرِ أَهْوَنُ مِنْ فِقْدَانِ الْبَصِيرَةِ".(١)

(اذن البصيرة: هي الدلالة التي يستبصر بها الشي على ما هو به, وهي نور القلب كما أن البصر نور العين.. والبصير كذلك اسم من أسماء الله الحسنى والبصير: هو الذي يشاهد الأشياء كلها ظاهرها وخافيها بغير جارحة (آلة البصر).

البصائر: بينات ودلائل من ربكم تبصرون بها الهدى من الضلالة وتميزون بها بين الحق والباطل).

والسؤال هو: هل يمكن تحصيل البصيرة؟ وهل بمقدور الواحد منا ان يبلغها بخطوات معينة؟

الجواب: نعم.. هناك خطوات ينبغي اتيانها كي تتحصل النفس الانسانية على البصيرة النافذة، منها:

١/ ان يرى الانسان المؤمن ربه في كل شيء، معه وقبله وبعده.. هذه الرؤية هي التي تقودنا إلى تملك البصيرة، والتي تعني فيما تعنيه أن يقذف الله في قلوبنا نورا نرى به حقيقة الذات الالهية، نراها معنا في كل وقت وفي كل مكان... يقول تعالى: (وهو معكم أين ما كنتم) (٢)

نرى الله سبحانه مالكا ومتصرفا واليه وحده يرجع الأمر كله، بهذه النظرة ينبغي أن نوزن علاقتنا  مع الله سبحانه... حياتنا وسعادتنا وأسباب عيشنا كلها بيد الله.. إذن لا داعي للقلق حيال الأمور التي تعترض مسيرتنا في هذه الحياة.

٢/ يقول الامام علي عليه السلام: ((ليست الرؤية مع الابصار فقد تكذب العيون أهلها, ولايغش العقل من استنصحه)).

ويقول أيضا: ((فإنما البصير من سمع وتفكر, ونظر فأبصر, وانتفع بالعبر, ثم سلك جدداً واضحة يتجنب فيه الصرعة في المهاوي)).

وعنه عليه السلام: ((أبصر الناس من أبصر عيوبه, وأقلع عن ذنوبه)).

بهذه الرؤية الامامية المتكاملة يستطيع الواحد منا أن يرسم خارطة لحياته، ويحدد نقاط ضعفه كي يكون على جادة الصواب. فالبصير حقا هو من يبصر عيوب نفسه واحدا فواحدا، ثم ينطلق لتصحيحها، والاقلاع عن الذنوب والخطايا لا تتأتى إلا بتوفيق من الله ووازع من نفس الانسان.. فإذا استكمل هذه الشرائط كان أقرب ما يكون لساحة البصيرة الثاقبة.

وفي الختام نخلص إلى حقيقة هامة، تشكل جناحا البصيرة المطلوبة، كي يكون المؤمن قادرا على التحليق في فضاء البصيرة الواسع.. وهي أن يعرف الانسان نفسه ويعرف ربه، وبهذه الثنائية يكون قد تحقق مراده وتحققت أهدافه.

(١) غرر الحكم ودرر الكلم
(٢) سورة الحديد الاية ٤

للاشتراك في قناة بشرى حياة على التلجرام
https://telegram.me/bashra313
التعليقات
تغيير الرمز