عرس وشهادة

شارك الموضوع:

تحول المرفأ إلى رماد، تكسرت واجهات البنايات والفنادق، وحل دمار هائل

وهكذا خمدت النيران، بعد أن التهمت كل شيء، وعم المكان أصوات سيارات الإسعاف ونداءات المسعفين، وصرخات الأمهات الثكالى والأقارب والأحبة، وأنين الأطفال الناجين من الحادث، بعد أن طُبعت صور عوائلهم صرعى في ذاكرتهم،

تناثرت الأشلاء بعيدا وغطت الأرض بالدماء.

تحول المرفأ إلى رماد، تكسرت واجهات البنايات والفنادق، وحل دمار هائل،

سيطرت حالة من الرعب والحزن والذهول على كل من سمع الخبر، وتساءل الجميع ماذا حدث؟

لكن سؤالها ظل صداه يتردد في أرجاء المكان، رغم وصولها متأخرة، فقد أغلقت الشوارع والطرقات تسهيلا لمرور سيارات الإسعاف لنقل الجرحى والشهداء من مكان الحادث..

منذ أن ارتجفت الأرض تحت أقدامها وتصايحت حيوانات الحضيرة فزعة،

علمت أن مكروه وقع! لم تصدق قلبها الذي استشعر الخطر باكرا..

وراحت تهاتفه كل ساعتين أو ثلاث اطمئنانا عليه، فيأتي صوته ممازحا (أمي لساتني عايش).

ثم يكرر كلماته العذبة (اشتئت الك، المسا بكون ادامك...) فتشعر بالراحة للحظات ويعاودها القلق، حتى أن جارتها لاحظت عليها الإرهاق والتعب، (لا تروحي السوق ارحمي حالك يا أختي، حاجتك تحلبي.. وتحضري.. وتبيعي..

وهاي كبر لولد وصار رجال خلي يعينك بأيامك البائية).

واكتفت بإبتسامة كعادتها، حين يأتي ذكره لكنها وجلة هذا اليوم تشعر بالوحدة،

حتى أنها لم تنم طول الليلة الماضية، حدثت نفسها كثيرا بحثا عن السبب أتراه بعدك عن البيت هذه الليلة يربكني؟

أم تراني كباقي الأمهات أشعر بالغيرة من عروس أخذت سنوات عمري، كدي وتعبي، ضحكاتي وآمالي، أفراحي وأحزاني، عمرا انتظرت أراك عريسا وقد تحقق حلمي.

عبثا تحاول إشغال نفسها بتهيئة البيت لاستقباله، وإعداد الطعام، وتبقى مشغولة بذكريات لا تحمل سوى صوره وصدى ضحكاته في كل مكان.  

يومه الأول في المدرسة... وحتى يوم تخرجه... زفافه...  مسكونةٌ هي به،

جالت ببصرها في أرجاء المكان ليس سوى رماد... رائحة الحريق... ونسمات خجلى تلاعب الأمواج...

ما صدقتهم حين أخبروني في جميع المستشفيات التي استقبلت ضحايا الانفجار أنهم لم يعثروا لك على جثمان، ولست في عِداد الجرحى، أتراك رحلت حقا؟

لماذا تشبهه في كل شيء؟ حتى في رحيلك باكرا، بغتتا، ودون أثر..

أفعلتها وتركتني كما رحل وأنت جنين لم تدب الحياة فيك بعد؟

جثت على قدميها تنتحب... تصرخ...

تذكرتك وأنت مولود صغير مثل ملاك،  ترى فيك العوض عن كل أيام الشقاء والوحدة، ثم نظرت إلى البحر تسأله ألم ترى عريسا بالأمس زف هنا؟

 ألكل زمان قاسم وإن لم تكن الأرض كربلاء؟

ألم تراني وقد كنت أزغرد فرحا به الليلة الماضية؟

لكن صمت المكان ووحشته ما كان إلا شاهدا آخر على ظلم بني البشر وأكلهم بعض..

التمع شيء في الظلام على مسافة منها، زحفت تنتشله من الأرض قلبته فكان نقش اسمه جليا ابداه ضوء القمر، ضمته إلى صدرها وسافرت بروحها تبحث عن ضائع لم يبقَ منه إلا الصليب.

شارك الموضوع:

آخر اضافات الكاتب (ة):

اضافة تعليق