العقيلة.. لقد كانت للأحزان كعبة

شارك الموضوع:

إن كل حزن ومصيبة وفَقْد عاشته السيدة (عليها السلام) منذ نعومة أظفارها

لدينا في الحجاز الكعبة التي هي بيت الله تعالى الذي يُقصد من كل مكان، ويتوجه إليه كل مسلم، ولكن من يطوف حول تلك الكعبة يَرى كم إنه ضئيل بوجوده المادي أمام هيبة بيت الله وعظمته، فيستشعر عبوديته؛ ويتصل قلبه برب الكعبة.

وهكذا عندما يطوف قلب الموالي/الموالية حول شخصية السيدة زينب الكبرى (عليها السلام) الملقبة بكعبة الأحزان/الرزايا، عليه أن يستشعر كم هي ضئيلة حجم أحزانه وابتلاءاته أمام ما جرى عليها وما تحملته صلوات الله عليها من رزايا وأحزان.

إذ إن كل حزن ومصيبة وفَقْد عاشته السيدة (عليها السلام) منذ نعومة أظفارها كانت وكأنها أحجار تلك الكعبة التي بَنت بها بيت قلبها العامر بالإيمان، فكانت محط نظر الله تعالى ورعايته.

بلى! جرت عليها سنن الدنيا واختباراتها بكل أوجاعها وآلامها وأذاها وأحزانها لكن ذلك لم يجعلها حزينة بمعنى الانكسار والسخط واليأس وعدم حسن الظن بالله تعالى-حاشاها- بل هي احتوت تلك الأحزان ولم تحتويها، صنعت بها ذاتها ووجودها ولم تهدمها.

فمن يَحتوي الحزن قلبه يَهرم ويَموت ويَضعُف، ومن يَعرف كيف يحتوي الحزن- كما فعلت السيدة -فإنه يحوله الى طاقة قوة ونور لقلبه لا تُطفئ.

وكما أن كعبة الله تعالى ملاذ ومحط أمان لمن يقصدها، السيدة كذلك؛ إذ جعلها تعالى مقصد للقلوب المكسورة والمتألمة؛ فكل من طاف حول قبرها، أو يندبها هي تأخذ همومه، آلامه لتضيفها لبيتها، وتبدلهم عنها سكينة وانشراح وانفراج؛ فهي لا تبدلها انجباراً وارتياحاً، بل تعلمهم وتلهمهم كيف يستثمرون الألم والبلاء ليتكاملوا بها، ويبنوا بها أنوار قلوبهم ليكونوا أقرب من ربهم، وأقوى أمام اختبارات دنياهم.

ومن جانب آخر- كما يُذكر- إن كتاب الله عندما يذكر أحوال بعض النساء الإلهيات كالسيدة مريم، وأم موسى (عليهما السلام) كما في قوله تعالى: {فَنَادَاهَا مِن تَحْتِهَا أَلَّا تَحْزَنِي} (مريم: 24)، وقوله: {وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى ... وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي} (القصص :7)، فإن في ذلك إشارة لوجود تشديد وحرص كبير من ناحية النهي عن إدخال الحزن على قلب المرأة؛ لعِظم الأثر النفسي السلبي الذي يتركه الحزن فيها وعليها، إلا إنها(عليها السلام) ثبتت نفسياً، فهي بنت وشقيقة من وصفوا بالعلم والحلم.

ومن ناحية أخرى يكشف عن وجه شدة القسوة واللا إنسانية التي كان يحملها أعداء أهل البيت (عليهم السلام)، وعَظِم درجة جنايتهم وإنتهاكهم لحُرمة السيدة الجليلة كإنسانة، وكسيدة ذات مقام عظيم ومن سلالة الأنبياء، ولها ما لها من المنزلة عند الله تعالى.

شارك الموضوع:

آخر اضافات الكاتب (ة):

اضافة تعليق