قوامة الرجال.. بين الرحمة والجبروت

القيمومة ياسيدي بهذه الدلالات، قد تتحول إلى سيف صارم مصلت على رقاب مَن نحب..

ما أكثر  الكلمات التي يقتات عليها رجال هذا الزمن؟! وما أكثر ما يتباهون به من حقوق ركزت في مخيلاتهم واستقرت في مكنونات أنفسهم من خلال تداول مفاهيم قرآنية ثابتة بين دفتي كتاب الله العزيز، وقد يتشبث أحدهم بهذه المفاهيم القرآنية تشبثا أعمى، من دون ان يفقه معانيها أو يدرك مغزاها ومؤداها.

والقوامة مثلا هي إحدى تلك المفاهيم القرآنية، التي ذكرها الكتاب واختص بها الرجال دون النساء، لكننا للأسف الشديد نرى اسفافا في التعامل مع هذه المفردة القرآنية، بل وتشويها لمعناها ومغزاها عبر ممارسات ذكورية تنأى بالمعنى الربّاني المراد منها، مما يخلق بونا شاسعا بين النظرية والتطبيق.

قد يقف أحدهم منتصب القامة يزبد ويعربد أمام شريكة حياته، يدعي زورا وبهتانا أنه المتصرف الأول والأخير، وأن القوامة بيده هو، وليس هناك من داعٍ لأن يستمع لرأي زوجته في شؤون الأسرة، فما هي إلا تابعة وفاقدة لشروط العقل والتعقل والرأي السديد.

فالقوامة بيده حصرا دون سواه.. له أن يفرض شروطه ورأيه بلا نقاش، وله كذلك السلطة العليا لتسيير أمور العائلة بانفرادية متزمتة دون أن يكلّف نفسه بالتنازل ولو قليلا للتشاور وأخذ الرأي الآخر.. فالقيمومة من نصيبه هكذا أمر الشارع وقرّرت الشريعة!!

وهنا يحق لنا أن نتساءل باعتبارنا نصف المجتمع: هل القيمومة تعني: أن تكابر على الحقيقة وتجعل من نفسك _ أيها الرجل _الآمر الناهي في كل الأمور؟!

هل القيمومة تعني: أن تستصغر شريك حياتك ومن تقاسَمتْ معك لقمة العيش تحت سقف واحد؟!

هل القيمومة تعني: أن ترتكب كل الأخطاء وتعطي لنفسك الحق في التصرف الآحادي في شؤون الأسرة، دون النظر أو المشورة مع من تشاطرك الحياة بحلوها ومرّها؟!

هل القيمومة تعني: أن تغضّ الطرف عن متطلبات زوجتك بالعيش الرغيد، مكتفيا بالنزر القليل بحجة (الدلال يفسد!) وأنت قادر على انعاش روحها وكيانها بما أعطاك الله وما أتحفك به من منن سابغة وأرزاق واسعة؟!

هل القيمومة تعني: أن تنحر كل الود بينكما بصفعة مؤلمة على وجه شريكة حياتك، لأنها تأخرت مثلا في اعداد وجبة الغداء لجنابك الموقّر، دون أن تكلّف حتى  نفسك بمعرفة اسباب تأخرها، أو الظروف القاهرة التي حالت دون ذلك؟

القيمومة  _ ياسيدي _ بهذه الدلالات، قد تتحول إلى سيف صارم مصلت على رقاب مَن نحب.. وقد تجعل من حياتكما جحيما لا يُطاق.

القيمومة تعني: سياسة الاحتواء الواعي والتي يديرها الزوج بكل محبة ومودة.

القيمومة تعني: الإهتمام الكبير وسد النواقص إن وُجدت، وبذل الغالي والنفيس من أجل إسعاد شريكة العمر وأم الأولاد.

القيمومة تعني: أن تنفق على زوجتك وعيالك، بما يكفيهم عن حاجة غيرك، وبما يمنعهم عن النظر بما في أيدي الناس.

إنه تكليف بالحماية والإطعام والتكفل بكل متطلبات الحياة الكريمة.

ويشير القرآن بهذا في عبارة موجزة بليغة، إذ يقول: «الرجال قوّامون على النساء بما فضّل الله بعضهم على بعض وبما أنفقوا من أموالهم» وهذا دليل على إقرار الإسلام قوامة الرجال في الأسر قوامة رحيمة، قائمة على المودة والمحبة، والإرشاد، وقيّدها بقيود كثيرة تحفظ للمرأة كرامتها وتصون حقوقها وتحقق مصلحتها ومصلحة أولادها.

وليس في هذا الإطار طعن للمرأة، ولا انتقاص من شأنها، إنما هي عملية تنظيمية لسير الحياة الأسرية في جو من الاستمرار والهدوء، وبحنكة وعقلانية بعيدا عن الجبروت الطغيان والديكتاتورية، وهي فوق هذا كله تحمّل الرجل باعتباره ربّان السفينة مسؤولية مستقبل الأسرة ومطالبها، واحاطتها بالأمن والأمان.

القيمومة أخيرا تعني: لأن تكون لها كما تحب أن تكون لك؛ ردءا واقيا ولباساّ ساترا وهموما مشتركة..

وصدق الله عز وجل إذ يقول: ((هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ)) .

شارك الموضوع:

آخر اضافات الكاتب (ة):

اضافة تعليق