ثقافة الاعتذار.. فضيلة مُغَيّبَة

543 2018-01-28

كنت من بين الواقفين في الشارع حين ارتطمت سيارة مسرعة لشاب بسيط بسيارة الرجل الخمسيني الفارهة حين كان يروم ركنها فاقتلعت مرآتها الجانبية، نزل الرجل بوجهٍ غاضبٍ ومصدوم وراح يعاين الأضرار وعيونه تطلق الشرر أما الشاب فأوقف سيارته على بعد أمتار قليلة وجاء مهرولا وهو يردد:  اعتذر اعتذر اعتذر.

حتى وصل ووقف أمام الرجل وقال بصدقٍ واهتمام: اعتذر وجدا آسف.  كانت علامات النباهة والتهذيب واضحة عليه، وخلال الحديث الذي لم يطل كثيرا انفتحت أسارير الرجل وتبسم وربت على أكتاف الشاب وانطلق كلا بسيارته بعد أن اتفقا على آلية تصليح السيارة تاركين الشارع الذي قلما نرى فيه عبرة وتجربة أو حدث يثير اهتمامنا.

والعبرة هذه المرة هو تأثير الاعتذار الأخلاقي اذا جاء بشعورٍ صادقٍ ونبيلٍ واعترافٍ بالخطأ وبراعة في الألفاظ فتمكنه من إذابة الغضب ورد اعتبار لمن يساء بحقهم وإخماد  النيران الملتهبة وضماد جراح النفس، وعائدات الاعتذار كثيرة فهي تقرب القلوب وتهدم الحواجز التي بناها الكره والأحقاد وساعات الحنق وتضلل الذكريات المرة لتتوه في عالم النسيان وتجبر الخواطر وتعيد للإنسان كرامته المهدورة وتنصف المظلوم.

وبالرغم من الاتفاق الجمعي على اهمية الاعتذار فـ(الاعتذار من شيم الرجال) و(الاعتذار فضيلة) الا ان هذه العبارات وغيرها لم تخدم الواقع الذي يقول ليس الجميع يجرؤ على قولها حتى في أصعب المواقف التي تتطلب ذلك، فهي تسبب حرج وثقل على اللسان لأن السائد في عقول الكثير إن الاعتذار هو ضعف وقلة حيلة ومذلة!، وشعورنا الدائم إننا في منأى من الأخطاء ولا نريد أن تلقى اللائمة علينا دفعنا لنملك مهارة التملص من مسؤولية تحمل الذنب والاعتراف به، فالعزة بالنفس والمكابرة مع أي عمل مخطئ وتحت أي ظرف هو المفهوم الذي نتصرف على أساسه مع الجميع.

فنجد ثقافة الاعتذار والتأسف وطلب السماح قد غيبت في سلوكياتنا العامة وتكون شبه معدومة في بيوتنا ومع أطفالنا الذين من المفترض أن نغرس بهم هذه الثقافة.

فكلمة أنا آسف التي تقال للطفل سيكون لها صداها الايجابي في تعزيز استقراره النفسي وتساعده ليكون متسامح وعطوف وبالمقابل يطلب السماح والعفو بسهولة متى ما وجد نفسه مخطئ وسيتحمل مسؤولية أخطائه وبهذا نكون قد أنشأنا جيل شجاع بطلب المغفرة والسماح ويتحمل مسؤولية أخطائه ويعكس سير خطى الأجيال السابقة المتشدقة بكلام العنترية والتبجح والاستكبار والإصرار على الخطأ.

أما عن الدراسات الحديثة في علم النفس فقد أكدت أن أكثر الناس نجاحا هم الذين يقفون أمام المرآة ويعترفوا بأخطائهم واحدة تلو الأخرى بشجاعة وبدون أن يبحثوا عن مبررات وشماعة ليلقوا بأخفاقاتهم عليها.

للاشتراك في قناة بشرى حياة على التلجرام
https://telegram.me/bashra313
التعليقات
تغيير الرمز