كيف يصبح الدعاء مدرسة ومنبر حسب منظور الامام السجاد؟

137 2019-04-11

لقد بعث اللـه تعالى إلينا رسالته، ترى كيف نستجيب له. ونرد إلى ربِّنا الرحمن التحية؟.

نردُّها بالدعاء. فإنه منهج حديث العبد مع ربِّه عزَّ وجلَّ، كما أن الوحي ذروة حديث الرب مع عباده.

والدعاء مخ العبادة، ولباب التواصل، وجوهر الصلاة. وكل دعاء حميد إلاّ أن اللـه تعالى أنعم علينا بأن هدانا لتعلم أدعية أوليائه، وبما أورثنا من أدعية النبيِّ وأهل بيته عليه وعليهم الصلاة والسلام . ويبدو أنها جميعاً أدعية تَوارثها عباد اللـه من الأنبياء، ومن ثم من الوحي الإلهي؛ أولا أقل هي تجليِّات الوحي على أفئدة الهداة من عباد اللـه المقرَّبين، وانعكاسٌ لمعارف الوحي على قلوبهم الزكية وألسنتهم الصادقة.

فالأدعية المأثورة - إذاً - هي الوجه الآخر للوحي، وهي ظلاله الوارفة، وأشعته المنيرة، وتفسيراته وتأويلاته.

وهكذا كانت الأدعية كنوز المعارف الربانية، وتلاد الحكم التي لاتنفذ، وفي طليعتها أدعية الصحيفة السجادية التي جمعت من كلمات الإمام زين العابدين (ع).

فإلى ماذا كان يهدف الإمام من تلك الأدعية؟. لا ريب أنها كانت شعاعاً من قلبه المنير بالإيمان، وفيضاً من فؤاده المتقد بحب اللـه، وكانت كلماتُها تتزاحم على شفاه رجل كاد يذوب في هيام ربِّهِ، ولم تكن تَكَلُّفاً منه.

بلـــى، قد حققت أهدافاً عديدة أبرزها تعليم عباد اللـه كيف يدعون ربَّهم العظيم، وكيف يتضرعون إليـــه، ويتحببون إليه، ويلتمسون رضاه. ويتوافون على أسمائه الحسنى.. وكيف يطلبون منـه حوائجهــــم، وماذا يطلبون؟.

وهذا الهدف الرباني تفرّع بدوره إلى عدة أمور حياتية يذكرها المؤرخون عادةً عند بيان حكمة الصحيفة السجادية، ونحن نشير إليها باختصار شديد.

أ: أن الضغوط كانت بالغة الشدة في عهد الإمام السجَّاد (ع) إلى درجة أن عقيلة الهاشميين زينب الكبرى (ع) أصبحت لفترة، وسيطة في شؤون الإمامة بين الإمام والمؤمنين. وفي مثل تلك الظروف العصيبة كان من الطبيعي أن يبث الإمام بصائر الوحي وقيم الرسالة عبر الأدعية التي مشت في الأمة ولا تزال كما يمشي الشذى عند نسيم عليل!!

ب - والإمام كثائر رباني لم يدع معارضة الطواغيت والوقوف بوجه الفساد الذي أوجدوه بسبب الظروف الصعبة، بل عارضهم بالأدعية التي لم تستطع أجهزة النظام برغم قوتها صد الإمام عنها.

وهكذا أتم اللـه سبحانه الحجة علينا، كي لاندع الوقوف بوجه الطغاة بأية وسيلةٍ ممكنة، حتى في أشد العصور إرهاباً وقمعاً.

ج : وكانت الأدعية - إلى ذلك - وسيلة تربية الناس على التقوى والفضيلة والإيثار والجهاد وذلك بما تضمنت من مفاهيم متسامية، ومواعظ ربانية، فكان النخبة من أبناء الأمة يتغذون عليها كما يتغذى النبات الزاكي من أشعة الشمس. فإن حركات المعارضة تحتاج إلى زخم ثوري يدفع أبناءها قُدُماً في طريق المعارضة كالنشرات السرية والجلسات الخاصة، والشعارات والبيانات، فإن تلك الصحف المطهرة كانت غذاءً رساليّاً لتلك النخبة المؤمنة في مواجهة النظام الأموي.

ولا تزال أدعية الإمام (ع) التي جمعت في الصحيفة السجادية، لاتزال هذه الأدعية ذلك الزخم الإيماني الذي يوفر لنا الروح الإيمانية في الأيام العصيبة. ولا أظن - بعد القرآن - أنَّ كتاباً يكون تسلية لفؤاد المحرومين، وثورة في دماء المستضعفين، ونوراً في افئدة المجاهدين وهدى على طريق الثائرين كالصحيفــــة السجاديـة.

كيف حول الإمام السجاد الدعاء إلى مدرسة عقائدية؟!

يعتبر الانسان نفسه انه الّه الارض وكل مايصل  اليه من السماء يجب ان يتحول الى ارضي ومن هنا تبدا المحاولات البشرية لتحريف الاديان السماوية، وقد نجحت معظم تلك المحاولات عبر التاريخ، لكن الدين الاسلامي نجا من التحريف وظل نقيا صافيا، ليس لانه لم يتعرض للتشويه والتزييف بل بسبب القوة التي تصدت للدفاع عن الدين الاسلامي ولم تسمح بتزويره وقد تجسدت تلك القوة باهل بيت النبوة عليهم السلام الذين تصدوا بأرواحهم ودمائهم وافكارهم لكل محاولات تحريف القرآن الكريم وتزوير السنة النبوية الشريفة التي جرت بشكل واسع في العهد الاسلامي الاول وماشابت عملية جمع القرآن الكريم من زيادة ونقصان يذكرها جميع المؤرخون.

اهل البيت هم الذين حفظوا السنة النبوية الشريفة من الضياع بعدما مُنعت من التداول لأكثر من قرنين من الزمان، فهم لم يكترثوا لقرار المنع واستمروا بتدوين وكتابة الاحاديث من اجل المحافظة على السنة النبوية الشريفة وقد ارخصوا في هذا الطريق ارواحهم الشريفة لانهم جعلوا المحافظة على دين الاسلام من الضياع من اهم واجباتهم وفي هذا الطريق تقطعت اجسادهم بالسيوف واكبادهم بالسم واخذوا اسارى كما يؤخذ الكفار والمشركين وسيقت نساءهم كما تساق العبيد والاماء.

ولقد اخذ كل امام من ائمة اهل البيت عليهم السلام الاسلوب الذي يناسب ظرفه وزمانه لمواجهة محاولات تحريف الاسلام فقد برز الامام الحسين عليه السلام بنفسه وجسده واهل بيته لمواجهة اعداء الله والانسانية، ووجد ان هذا الدين لن يحفظ الا من خلال بذل دمائه الطاهرة لكن الامام السجاد عليه السلام واجه نفس محاولات التحريف والتزوير من خلال اسلوب جديد لم يعرفه المسلمون آنذاك وهو اسلوب الدعاء.

قد يستغرب البعض كيف استطاع الامام السجاد عليه السلام من خلال الدعاء حفظ الاسلام من عملية التحريف التي كانت جارية على قدم وساق؟

المدرسة التي كانت تحاول تحريف الدين الاسلامي لم تكتف بمحاولات تحريف القرآن الكريم وتزوير السنة النبوية الشريفة بل هي كانت تبث العقائد المنحرفة والافكار الشركية بين المسلمين ومن جملة مافعلته تلك المدرسة هي انها اقتبست عقيدة التجسيم الشركية التي كانت موجودة لدى اليهود وادخلتها الى الاسلام واصبحت تلك المدرسة تروج الى ان لله سبحانه له جسم وانه ينزل الى السماء الدنيا وانه شاب امرد والكثير الكثير من هذه الخزعبلات.

ونحن هنا لانتحدث عن امور خيالية بل نجد لها اصداء ونماذج حية من اتباع المدرسة الاموية والوهابية الذين لحد اليوم يشيعون بين المسلمين عقيدة الشرك والتجسيم ومن يريد ان يعرف مقدار التزوير الذي حصل في الفكر الاسلامي في الفترات الاسلامية الاولى ليطالع الفكر الوهابي ليجد الصورة المشوهة عن الاسلام ومانراه اليوم من اعمال القتل الوحشي وتبرير اسالة دماء البشر، هذه الصورة البشعة  والوحشية التي تعرضها الوهابية اليوم للاسلام هي نفسها كانت قائمة في فترة الحكم الاموي.

وبعكس ما تصوره آراء بعض الكتاب السطحيين وماتروج له بعض الفرق من ان الامام السجاد عليه السلام اختار طريق السلامة والقعود عن الجهاد فقد كان للامام السجاد عليه السلام الدور الابرز في حفظ الاسلام وعقائده التي كان الامويون يعملون على تحريفها واحلال عقيدة التجسيم اليهودية مكانها.

ومن يقرأ ادعية الامام السجاد عليه السلام يشعر بعظمة اهل هذا البيت والطاقة التي يملكونها لابتكار الاساليب لمواجهة مدرسة التحريف والتزوير ويلمس من خلال مطالعة تلك الادعية الطابع العقائدي فيها والكثير منها تتحدث عن التوحيد وعن تنزيه الخالق من السمات والصفاة البشرية.

وكان عليه السلام  إذا ابتدأ بالدعاء بدأ بالتحميد لله عز وجل والثناء عليه فقال (الحمد لله الأول بلا أول كان قبله، والآخر بلا آخر يكون بعده، الذي قصرت عن رؤيته أبصار الناظرين، وعجزت عن نعته أوهام الواصفين، ابتدع بقدرته الخلق ابتداعا واخترعهم على مشيته اختراعا، ثم سلك بهم طريق إرادته وبعثهم في سبيل محبته، لا يملكون تأخيرا عما قدمهم إليه ولا يستطيعون تقدما إلى ما أخرهم عنه، وجعل لكل روح منهم قوتا معلوما مقسوما من رزقه، لا ينقص من زاده ناقص، ولا يزيد من نقص منهم زائد، ثم ضرب له في الحياة أجلا موقوتا، و نصب له أمدا محدودا، يتخطأ إليه بأيام عمره، ويرهقه بأعوام دهره…) الصحيفة السجادية “22- 23” ولاشك ان جميع المسلمين بحاجة الى مثل هذه الكلمات لما فيها من الفائدة من تصحيح عقائدهم وتنقية افكارهم عما لايحل من عقائد الشرك والتجسيم والتشبيه والحركة وكلها منقصة بالله سبحانه وتعالى.

عملية التشويه التي نفذها طغاة بنو امية لم تطال العقائد الاسلامية فقط بل شملت حتى النبي الاكرم صلى الله عليه وآله وسلم حيث انهم وصفوه بالنقص والصقوا به مابغيره من الجهل وسوء الخلق فقالوا انه المقصود بقول الله تعالى (عبس وتولى ان جاءه الاعمى) سورة عبس 1-2 واتهموا النبي بالهذيان والنسيان وقول الشرك في الصلاة وفي قبال ذلك كان لابد لاهل البيت عليهم السلام ان يتحركوا لمواجهة عملية التشويه التي استهدفت نبي الاسلام فراح الامام السجاد عليه السلام ينشر فضائل النبي ونتيجة للحصار المفروض عليه وعدم قدرته على تحقيق ذلك من خلال الخطابة والقاء الكلمات استخدم الامام الدعوات والصلوات كاسلوب لمواجهة الفكر المنحرف للمدرسة الاموية وقد ورد في احدى صلواته عليه السلام (الحمد لله الذي من علينا بمحمد نبيه – صلى الله عليه وآله – دون الأمم الماضية والقرون السالفة بقدرته التي لا تعجز عن شئ وإن عظم، ولا يفوتها شئ وإن لطف، فختم بنا على جميع من ذرء، وجعلن شهداء على من جحد، وكثرنا بمنه على من قل، اللهم فصل على محمد أمينك على وحيك، ونجيبك من خلقك، وصفيك من عبادك، إمام الرحمة، وقائد الخير، ومفتاح البركة، كما نصب لأمرك نفسه و عرض فيك للمكروه بدنه، وكاشف في الدعاء إليك حامته، وحارب في رضاك أسرته، و قطع في إحياء دينك رحمه، وأقصى الأدنين على جحودهم، وقرب الأقصين على استجابتهم لك، ووالى فيك الأبعدين و عادى فيك الأقربين، وأداب نفسه في تبليغ رسالتك وأتعبها بالدعاء إلى ملتك، وشغلها بالنصح لأهل دعوتك، وهاجر إلى بلاد الغربة و محل النأي عن موطن رحله، و موضع رجله، ومسقط رأسه، ومأنس نفسه، إرادة منه لإعزاز دينك، واستنصارا على أهل الكفر بك، حتى استتب له ما حاول في أعدائك واستتم له ما دبر في أوليائك، فنهد إليهم مستفتحا بعونك، ومتقويا على ضعفه بنصرك، فغزاهم في عقر ديارهم، وهجم عليهم في بحبوحة قرارهم، حتى ظهر أمرك، وعلت كلمتك، ولو كره المشركون…) الصحيفة السجادية “30- 31”

ولم يدع الامام السجاد عليه السلام مجالا غامضا من امور الدنيا والآخرة حتى لايعطِ لمدرسة التشكيك العقائدي الفرصة  للتلاعب بعقائد الناس وتغيير دينهم، وتحدث في ادعيته عن امور كثيرة من بينها الملائكة وعن الليل والنهار فقال عليه السلام (الحمد لله الذي خلق الليل والنهار بقوته، وميز بينهما بقدرته، وجعل لكل واحد منهما حدا محدودا، وأمدا ممدودا، يولج كل واحد منهما في صاحبه، ويولج صاحبه فيه بتقدير منه للعباد فيما يغذوهم به، وينشئهم عليه…) الصحيفة السجادية- 45- وبعد ذلك يأتي الامام ويوضح بشكل مفصل عن سر خلق الليل والنهار وكيف جعلهما في خدمة البشر  وماينبغي على المؤمن ان يفعل بهما  من الصلوات في الليل واعمال الخير في النهار ، ومن يقرء الدعاء يدرك حقيقة الوجودات المرتبطة بهذه الظواهر الطبيعية كالشمس والقمر وبالتالي لن تستطيع العقائد المنحرفة ان تقول له بان الشمس هي مصدر الخير والعطاء في الكون لان الامام اوضح حدود دورها في الحياة.

اذا اقبلنا على قراءة ادعية الصحيفة السجادية للأمام علي بن الحسين عليه السلام فنحن في الواقع لانقرأ الدعاء فقط بل ندخل في مدرسة عقائدية متكاملة ينبغي على كل من يريد ان يلاقي الله بقلب سليم وعقيدة صافية نقية ان يصحح فكره وعقيدته من خلالها.

المصادر:
موقع المدرسي
شفقنا
للاشتراك في قناة بشرى حياة على التلجرام
https://telegram.me/bashra313
التعليقات
تغيير الرمز