ميزان من نوع آخر

منافع للناس وبأس شديد انزلهما الرب الرحيم في الحديد فكان من تلك المنافع أن رفع السماء ووضع الميزان، ذلك الشيء الحديدي ذو الكفتين المتأرجحتين لتتوازنا فيما بعد في مشهد ألفنا متابعته في عملية الاكتيال من بيع وشراء، فهل من ميزان آخر أُمرنا أن لا نُخسِر فيه وأن نقيم به القسط ونعمل فيه بالعدل؟.

هناك في أعماق النفس البشرية يقبع ميزان من نوع آخر... كفتاه خشية ورجاء، كثيرا ما طفف الناس فيه، فمنهم من أخفض كفة خشيته واثقلها بينما أثقل اخرون كفة الرجاء ويا لها من صفقة تجر الويلات على من كان هذا ديدنه، فتجارته ستبور بلا أدنى شك.

فمن ملأ كفة خشيته خوفاً ورعباً وأشاع منهج العذاب بين ظهراني أهله ومجتمعه مشيحاً بوجهه عن مبدأ الرحمة إنما صنع صورة ذهنية باهتة الألوان بعيدة عن الرأفة والحنان والرحمة التي وسعت كل شيء.

فيما وقعت الفئة الثانية في فخ الاغترار بحلم الله عزوجل عندما ملؤوا دلاءهم رجاء دون خوف فطفقوا يرفلون بنعم الله سبحانه متغافلين ذنوبا ذهبت لذاتها وبقيت تبعاتها كالأطواد، فأطبقت عليهم شراك الشيطان الذي صدق عليهم وعده ولم يخب فيهم ظنه.

فكان حرياً بمن استيقظ من سنة الغفلة أن لا يألوا جهداً في سعيه الحثيث ليوازن كفتي الخشية من عقاب أليم والرجاء لرحمة لا متناهية.

فقد ورد في أعاجيب حِكم الأنبياء أن قال لقمان لابنه: (يا بني خف الله عز وجل خيفة لو جئته ببر الثقلين لعذبك، وارج الله عزوجل رجاء لو جئته بذنوب الثقلين لرحمك).

فما هي إلا عملية حسابية يقف العقل مذهولاً عندها شاخصاً بصيرته لفهمها لتقوم الجوانح بتطبيقها بإتقان، فلكي تسير سفينة الحياة في لجج بحار هائجة لابد أن تتوازن حمولتها فلا تميل إلى جنب دون جنب آخر، ولكي يضرب الإنسان في أرض الله الواسعة لابد أن يملك عينين سليمتين تقودانه إلى حيث النجاة من المخاطر والمهالك..

فعملية الاتزان مهمة في كل الأمور وتزداد أهميتها في أمور الحياة الباقية. فالكيّس الفطن دائمٌ فكره مشغولٌ وقته في وضع خطط بعيدة المدى لرحلة لا عودة فيها فخير ما يحمله من زاد لرحلته الأبدية قلب سليم  تحكي نبضاته ما خبره وما كتمه من حسن ظن بالله الحليم الكريم فلا ينفث سموم القنوط ولا يواري شمس الصفات الرحيمية بغيوم اليأس،  فتراه يدعو اطفاله للصلاة بلسان رضابه ممزوج بعسل التبشير لا التنفير فهلموا نصلي لنقترب من مصدر النور ونتخذ من الجنة خير مستقر ومقيل.

بينما تتمثل قدام ناظريه أنواع العذاب لتكون حجرا محجورا بينه وبين ما قد يخطر على باله من اقتراف المعاصي وحنث ونكث ونقض لما عاهد الله عليه.. فيقلم اظفار الأمل الكاذب الممجوج

ويسرح خيوط التوبة النصوح فتزدان طلعته ببهاء الموازنة المنشودة.

للاشتراك في قناة بشرى حياة على التلجرام
https://telegram.me/bashra313
التعليقات
تغيير الرمز