فرصتنا الوحيدة

هل تابعت سلامة جوانحي كما أتابع سلامة جوارحي ياترى؟

ونحن في خضم المعمعة العالمية والتي يزداد اوارها مع تقدم الأيام.. وهذا الايقاع السريع للوباء المنتشر (كورونا المستجد) والحمى الآخذة بالازدياد بازائها داخل النسيج المجتمعي، حريُّ بنا أن نقف هنيهة للتفكير في حالنا ومآلنا.. فنحن البشر معنيون قبل غيرنا بالحفاظ على صحتنا والابتعاد عن كل ما يؤثر على سلامة أجسادنا، وما الهلع والخوف اللذان صاحبا هذه الظاهرة مؤخرا إلا نتاجا طبيعيا لما نمر به من تداعيات الأزمة العالمية.

الخوف بحد ذاته مشروع والاحتياط كما يقال واجب.. فالوباء أيّاً كان شكله أو حجمه وبغض النظر عن التفسير السائد له بكونه مؤامرة دولية وسلاحا بيولوجيا صنعته أمريكا لتدمير خصومها، وبغض النظر كذلك عن مدى انتشاره وتغلغله  في الأوساط، فالوباء ليس شيئا يستهان به ولا يمكن اغماض العين عنه أو اللامبالاة تجاهه، فهو  يُلقي بجرانه على سطح المعمورة لا يفرق بين رئيس ومرؤوس وبين سائس ورعية  وبين قائد ومقود.. الكل متساوون امام هذا الخطر الداهم.

إلى هنا يبدو الأمر طبيعيا لا غبار عليه.. لكن الملفت للنظر هو عدم الالتفات لسلامة أشياء أخرى غير هذا الجسد البالي.. هل تساءل الواحد منا ياترى: ما حال فكري وقلبي وضميري؟!

هل أنا على بيّنة من سلامة فؤادي وما يعتريه من مشاعر الحب والكره والغبطة والحسد والحزن والسرور وكل الأحاسيس المتضاربة؟

وهل أتابع صحوة ضميري وعدالته خوفا من أن تلوثه المحسوبيات والظلامات والانتهاكات وما أكثرها... والتي تؤدي بالضمير إلى موت سريري عاجل؟

وهل أبدي اهتماما بفكري واغذيه بمختلف العلوم النافعة، وأضيء جنباته بنور العلم والايمان، بمقدار اهتمامي بصحة بدني وخوفي عليه من أن يكون عُرضة لداء من هنا، أو نزلة برد من هناك؟

هل تابعت سلامة جوانحي كما أتابع سلامة جوارحي ياترى؟ أم أنني أجلّت التفكير بها إلى إشعار غير مسمى؟!

إننا أبناء هذه الدنيا بلا شك، ولا يُلام المرء على حب أمه كما قيل.. كما اننا نحن البشر نود أن تطول أعمارنا ونعمّر الأرض بطول بقائنا.. بل يودُّ أحدنا لو يُعمّر ألف سنة وأن يرى أولاده وأحفاده وأحفاد احفاده، كما أننا لا نريد إلا الأفضل والأحسن والأجود من كل شيء، وبما يُبقي أبداننا بصحة وسلامة، بعيدة عن المرض والهرم وحتى عن الموت!!.

نعم حتى الموت نفسه.. نحن نخاف ذكره ونرهب جانبه، ونطلب من الخالق عزوجل أن يُبعد شبحه عنا وعن أحبّائنا لأن الموت هادم اللذات ومفرّق الجماعات وهو المصيبة الكبرى.. لكنها سنة الله في ارضه وخلقه، ثابتة لا يعتريها تغيير ما دامت الدنيا قائمة (فيامن توحّد بالعز والبقاء.. وقهر عباده بالموت والفناء...).

نحن حقا أمام معادلة حياتية صعبة.. لابد من ايجاد حالة التوازن المطلوبة، وإلا فإننا سنضّيع المشيتين كما يقال!.

لابدّ من إجراء مسح شامل لكل متبنّياتنا الحياتية، والتفكير ألف مرة وليس مرة واحدة في أحوالنا المؤقتة على هذه البسيطة.. فلا شيء يدوم مع دوران عجلة الزمن، ولا شيء يبقى على حاله في معترك الحياة الصاخبة، وليس أمام الانسان إلا أن يُديم زخم الحياة بما يدرُّ عليه وعلى الانسانية بالنفع والصلاح .. وإلا فإن الدنيا تنساه كما نسيت من كان قبله.. وخير الناس هو من سيترك أثرا طيبا بعد رحيله، فالأيام هي صحائف أعمالنا فلنخلدها بطيب الآثار وأحسن الأعمال، وفرص الخير تمر مر السحاب فلنغتنمها قبل الفوت.. فليس بعد الفوت إلا الندم والخسران.

والحياة _ ياـحبائي _  ما هي إلا فرصتنا الوحيدة.

شارك الموضوع:

آخر اضافات الكاتب (ة):

اضافة تعليق